الأحد، مايو 06، 2012

على أبواب المهزلة السنوية


بقلم : عبد المجيد التجدادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستعد المؤسسات التعليمية العمومية على قدم و ساق كعادتها عند آخر كل سنة لكي تقوم بمهزلتها السنوية . مهزلة ضحاياها الآلاف من تلاميذ المدرسة العمومية في التعليمين الابتدائي و الثانوي ( الإعدادي و التأهيلي ) . ؛ و مخرجوها كل الأطر

التربوية مدرسة و نيابة و أكاديمية و وزارة ؛ و ساحتها مجالس الأقسام ..، و هذا
كله امتثالا لمتطلبات الخريطة المدرسية .
لا تكف الوزارة تصدع رؤوسنا بشعار "المصلحة الفضلى للتلميذ" ، غير أننا في الواقع نجد بأن الفيصل في قرارات الوزارة و كل المؤسسات التابعة لها هي إجراءات إحصائية جافة تروم تحقيق "التوازن الكمي" في المؤسسات التعليمية ، و لا تلقي بالمقابل أي اهتمام بذلك "التلميذ" ..، و هي بذلك أبعد ما تكون عن شعار الجودة ، و أبعد ما تكون عن التحقيق الفعلي لمصلحة التلميذ الفضلى ؛ و يكون شعار "مدرسة النجاح" الذي نروج له مجرد "مدرسة للإنجاح القسري" ...
تعود فصول هذه المهزلة السنوية إلى المذكرات الوزارية التي تنظم إجراءات التقويم النهائي لآخر السنة :
ــ فبالنسبة للتعليم الابتدائي معدل النجاح هو 05,00 (على 10) ، مع ترك الصلاحية لمجالس الأقسام للنزول عن ذلك المعدل في حالات استثنائية بناء على الملف المدرسي لحالة كل تلميذ على حدة ؛
ــ و بالنسبة للتعليم الإعدادي معدل النجاح هو 10,00 ( على 20) على الأقل ، مع ترك الصلاحية لمجالس الأقسام للنزول عن ذلك المعدل في حالات استثنائية بناء على الملف المدرسي لحالة كل تلميذ على حدة ؛
ــ و بالنسبة للتعليم الثانوي التأهيلي معدل النجاح ( باستثناء الثانية باكالوريا ) هو 10,00 (على 20) على الأقل ، مع ترك الصلاحية لمجالس الأقسام للنزول عن ذلك المعدل في حالات استثنائية بناء على الملف المدرسي لحالة كل تلميذ على حدة .
المذكرات الوزارية هنا ــ نظريا ــ تترك هامشا للتصرف لمجالس الأقسام للتعامل مع الحالات الاستثنائية الخاصة تعاملا تربويا أقرب إلى التلميذ و ذلك بناء على "ملفه المدرسي" . غير أن واقع الممارسة العملية ــ و تحت أنظار الوزارة و رعايتها ــ تتخذ ذلك الهامش ثغرةً و فراغًا لتنقيل التلاميذ من مستوى إلى آخر بعيدا عن الشروط التربوية لذلك الانتقال ، بحيث إن الإدارة ــ و بكل جفاء و برود ــ تنزل بالمسطرة إلى المعدل الذي يحقق لها التوازن العددي ( فيما يعرف في الوسط المدرسي بـ "عتبة النجاح" ) حتى و لو لم يحقق التلاميذ الحد الأدنى من التحصيل الدراسي ، فتكون تلك العتبة هي المعيار الوحيد للانتقال من مستوى إلى آخر .... و بذلك فقد وجدنا في التعليم الابتدائي تلاميذ ينتقلون إلى المستويات الموالية بمعدل يقل عن 03,00 ..، بل و امتد هذا الأمر كذلك حتى إلى شهادة الدروس الابتدائية التي تخول للتلاميذ الانتقال إلى التعليم الإعدادي .
نفس القاعدة تتكرر في التعليم الإعدادي ، فقد وجدنا تلاميذ ينتقلون إلى المستويات الموالية بمعدل يقل عن 06,00 ، و قد امتد هذا الأمر كذلك حتى إلى شهادة السلك الإعدادي التي تخول للتلاميذ الانتقال إلى التعليم الثانوي التأهيلي .
و نفس القاعدة تتكرر أيضا في التعليم الثانوي التأهيلي في الجذع المشترك و الأولى باكالوريا ، حيث إنه دائما يتم التنقيل بمعدل يقل عن 10,00 .
هذه جريمة تتعدد تداعياتها :
ــ التلاميذ الذين يتم تنقيلهم دون تحقيق الحد الأدنى من التحصيل الدراسي ــ تلاميذ متعثرون ــ يتعرضون لخطر تراكم ثغراتهم الدراسية إلى الحد الذي يجعل مواكبتهم للعملية التعليمية التعلمية مستحيلا ، فيصيبهم الإحباط ..، و يكون مصيرهم في الغالب هو الانقطاع عن الدراسة إن عاجلا أم آجلا .
ــ تتدهور لدى تلاميذ المؤسسة في عمومهم دافعية التعلم ، و يتراخى الكثير منهم عندما يصلون إلى نتيجة مؤداها أن : جميع التلاميذ "ينجحون" كيفما كانت نتائجهم ؛ فلا داعي للاجتهاد إذن ..؛ و هذا ينتهي بالمستوى العام للتحصيل الدراسي إلى التدهور .
ــ الأساتذة في الأقسام حائرون ما بين الفوارق الشاسعة ما بين تلاميذهم من جهة ، و ما بين تلاميذهم و المستويات التي هم فيها من جهة أخرى ..؛ و هذا ما قد ينتهي بهم هم كذلك إلى الإحساس بعبثية العمل في مثل هذه الظروف ثم الإحباط .
في دراسة حول تأثير التكرار على النتائج الدراسية للتلاميذ المتعثرين نصل مع صاحبها إلى النتائج و التوصيات التالية :
ــ التكرار له نتائج إيجابية على التحصيل الدراسي للتلاميذ ، و يسمح لهم بسد ثغراتهم و تجاوز تعثراتهم ، و تحقيق نتائج دراسية أحسن ، و بالتالي فتح أفق دراسي أفضل . لهذا وجب ضمان هذا "الحق" للتلاميذ ، و إن الضحايا الحقيقيون هم الذين يُحرمون من تلك الفرصة .
ــ كما أن التكرار فرصة للرفع من دافعية التعلم ، فاتخاذ القرار "القاسي" بتكرار التلميذ قد يجعله يقارن و يراجع نفسه ، و يعزز إحساسه بالمسؤولية .
ــ التكرار لوحده قد يحسن نتائج التلاميذ تلقائيا ، غير أن درجة التحسن تختلف بحسب التلاميذ و الظروف المحيطة بهم ، لهذا يجب التركيز على مجهود الدعم لصالح هؤلاء التلاميذ كي تتحسن نتائجهم بدرجات أعلى مما يمكن التعويل عليه من مجرد التكرار لوحده .
ــ يطرح تكرار التلاميذ مشاكل لها علاقة بعدد التلاميذ في المؤسسة ، و توزيع المستويات حيث يمكن أن يحدث ذلك تباينا في عدد أقسام كل مستوى على حدة . لهذا وجب التركيز على ضمان قرار التكرار لصالح تلاميذ المستويات الأولى من كل تعليم ، مما يستوجب توسيع قاعدة أقسامها لإعطاء انطلاقة أحسن للمسار الدراسي للتلاميذ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق