السبت، يناير 16، 2010

نعمة الماء بين الندرة و التبذير

* * * * *
بقلم : عبد المجيد التجدادي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن من نعم الله تعالى على الإنسان أن سخر له الأرض بما فيها ؛ قال الله عز و جل : »هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا « (البقرة ، 29 ) . و من بين أهم تلك النعم نعمة الماء التي لا تستقيم الحياة إلا بها ، قال الله عز و جل : »و جعلنا من الماء كل شيء حي « ( الأنبياء ، الآية 30 ) و قال كذلك : »و الله خلق كل شيء من ماء « ( النور ، الآية 45 ) .

الماء شرط أساسي لوجود الحياة و استمرارها لا غنى لها عنه ؛ و الإنسان بدوره لا حياة له بدون ماء باعتباره مكونا أساسيا من مكونات وجوده و استمراره سواء أفي ذاته أم في مختلف الأنشطة التي يعمر بها الأرض . و إن التاريخ ليشهد أن الماء كان دائما و سيبقى أحد الأركان الأساسية لقيام الحضارة الإنسانية ؛ فالقرى ، و المدن و الدول كلها كانت تنطلق بمحاذاة مصادر المياه . كما أن الخوف الذي ينذر به عدد من المختصين الآن هو أن يتحول ذلك الماء إلى مصدر للنزاع بين الدول في المستقبل ، و خاصة مع ظهور مشكل الخصاص في عدد منها حاليا .
أهمية الماء :
يغطي الغلاف المائي حوالي 71 % من المساحة الإجمالية لسطح الكرة الأرضية ؛ أي ما يفوق الثلثين . كما يشكل الماء نسبة كبيرة من مكونات مختلف الكائنات الحية تتراوح ما بين 50 % و 90 % من مجموع وزنها ( حوالي 65 % بالنسبة للإنسان مثلا ) . و قد يؤدي الانخفاض الكبير لتلك النسبة فيما يسمى بحالة الجفاف إلى نتائج خطيرة قد تنتهي بالفناء ؛ و بهذا يكون الماء مرادفا للبقاء ، و الجفاف مرادفا للفناء .
و إن كان الماء ، كما أسلفنا الذكر ، يغطي حوالي 71 % من المساحة الإجمالية لسطح الكرة الأرضية ؛ فإنه في معظمه (97 %) غير صالح للاستعمال البشري المباشر ؛ فتبقى إذن نسبة ضئيلة جدا (3 %) تمثل المياه العذبة ، غير أنها كذلك في معظمها (75 %) متجمدة ... فنخلص في الأخير إلى أن حوالي (1 %) فقط من مجموع مياه الأرض هي التي يمكن تعبئتها و استعمالها مباشرة للأغراض البشرية ؛ و بالتالي فإن الماء الصالح للشرب و الحياة قليل جدا ،.. نادر جدا (1 %) .
بهذا إذن يتضح أن الماء الذي يضمن حياة الإنسان قليل أصلا ؛ فما بالك إذا علمنا أنه يزداد قلة و ندرة نتيجة السلوكات البشرية السلبية ؟
مشاكل الماء :
يتمثل وجها مشكلة الماء حاليا في الندرة و التلوث ؛ وجهان كالحان سببهما مسلكان سلبيان للإنسان تجاه الماء ، هما : الاستنزاف ( التبذير ) و التلويث . و لعل هذا يدخل في معنى الفساد الذي أشارت إليه ملائكة الرحمان : »قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها « ( البقرة ، 30 ) .
تلوث الماء هو كل تغير يصيب الماء نتيجة انتشار مواد ضارة بنسب كبيرة تجعله غير صالح للاستعمالات البشرية التي تضمن الحياة ، و على رأسها طبعا الشرب .
و تبذير الماء هو كل استعمال للماء بشكل مفرط في غير محله و لغير ضرورة ملحة مع وجود بديل .
تتجلى مظاهر التلويث و التبذير على عدة مستويات فردية و جماعية ، يتحمل مسؤوليتها الجميع بدون استثناء .
فأما على مستوى الأفراد مثلا ، فنراه من خلال اللامبالاة التي يتعامل بها الناس مع نعمة الماء ، بخلاف حرصهم الشديد الذي يبدونه تجاه ثروات ثمينة أخرى . فعلى سبيل المثال : صانع الحلي يكاد لا يفرط في ذرة من ماس أو ذهب ، و بائع الوقود يحرص على عدم ضياع قطرة بنزين ، إلخ . و على العكس من ذلك تماما لا يبالي الناس بتضييع أو تلويث الماء ، كما هو الشأن في الحمامات مثلا و غيرها من المرافق العمومية الأخرى ، خاصة مع سيادة فكرة خاطئة شائعة عند الكثيرين تختزل قيمة الماء في دريهمات يدفعونها ، أو تجيز لهم تضييع كل ما هم معفيين من أداء ثمنه .
أما على مستوى الجماعات ، فيمكن إجمال المشكل في التصاميم غير الرشيدة ( إلى حد السّفه أحيانا ) لبرامج التنمية ؛ و محاولة الجهات الرسمية نقل أنماط الإنتاج و الاستهلاك الأجنبية القائمة على أساس الإفراط إلى بلداننا التي تقوم مواردها الطبيعية على أساس الندرة .
و لنأخذ حالة المغرب مثالا على ذلك . فقد أصبح من المعلوم ما تخلفه الزراعة التسويقية الموجهة للتصدير ( لتلبية حاجيات الاتحاد الأوربي على الخصوص ) من استنزاف مُروع لمواردنا المائية الباطنية ، و يعتبر حوض سوس أشهر مثال على ذلك . إضافة إلى جهودنا المضنية لمناطحة ظروفنا الطبيعية ( المناخ أساسا ) الخاصة ببلداننا ؛ حيث تجدنا ننتج مزروعات لا تتلاءم بتاتا في ظروف نموها مع نوع مناخنا ( إنتاج الموز مثلا ) ..؛ قد يتباهى البعض بإنتاجنا لها ، لكن ذلك يتم مقابل خسارة فادحة جدا لثروتنا المائية بدأت بوادرها في الظهور حاليا ، و سوف يدفع ثمنها غاليا أبناؤنا من أجيال المستقبل .
نشير كذلك إلى مساحات لعبة الغولف التي استشرى أمرها في البلاد بدعوى اجتذاب دولارات السياح ( و شعارات أخرى تافهة لا أصل لها ) ، فنرى ما تكلفه جهود الحفاظ على خضرتها بأراضيها المعشوشبة التي لا تتوافق مع ظروفنا المناخية و خصاص الماء الذي نعانيه ؛ كما نشير أيضا إلى حمى الحدائق و البساتين و ما يلحقها من نقط الماء التي يستشري أمرها هنا و هناك من المدن ، و خاصة بالمدن السياحية الكبرى بوتيرة تزداد معها وتيرة استهلاك الماء إلى حد ينذر بالخطر ( أنظر مثلا هوس الحدائق بمراكش ) ...
و لنضرب فيما يلي مثالا حقيقيا لغياب الرشد و الحكمة في عدد من برامج التنمية التي تنفذ ببلداننا من خلال حماقة سخيفة بإحدى البلدات (*) حيث يسود المناخ الجاف ، أشرفت على إنجازها نخبة من الأطر المهندسين و الإداريين و غيرهم !!! فقد قاموا بإنشاء سد تلي في سافلة أحد المسيلات المائية الموسمية ، لا تسيل مياهه إلا نادرا جدا ؛ حيث إن جفافه هو الأصل ؛ ثم أحدثت على إحدى ضفتيه حديقة عمومية صغيرة جدا على شكل شريط ضيق ، غرست فيها أشجارا و أعشابا لا يمكنها تحمل جفاف المنطقة . شكّل السد بحيرة في سنته الأولى حيث هطلت أمطار غزيرة استثنائية فاض على أثرها المسيل بالماء ..، لكن الجفاف سرعان ما جعل السد التلي و الحديقة جافين قاحلين إلا من بعض الشجيرات التي أمكنها التحمل ... ثم قامت الإدارة المحلية لاحقا بحفر بئر في عالية المسيل زودته بمضخة كهربائية تضخ منه الماء على شكل نافورة ترمي بالمياه عاليا ربما بهدف ملء السد قسرا ( على حساب خزان الفرشاة الباطنية ) حتى تعود البحيرة و تعود الخضرة و يتمتع الناس بالمناظر الجميلة التي كانوا يحلمون بها من خلال ما هو منقول عن الدول الغربية أو عدد من دول الخليج النفطية !!.. و رغم كل ذلك ، بقيت الحديقة على أصلها جافة قاحلة ، و ذهبت جهود المناطحة سدًى .
و نورد هنا شهادة رسمية تؤكد كل ما أشرنا إليه أعلاه ، فقد جاء في تقرير لوزارة إعداد التراب الوطني أنه : »من المؤكد أن الجفاف ليس وحده السبب في أزمة الماء ، فالاستغلال المفرط للطبقات المائية عن طريق الضخ يلعب دورا أساسيا في هذا النضوب « (1) .
إن هناك أسئلة ملحة تطرح نفسها بإلحاح هنا تستحق منا وقفة تأمل و تدبر كي نضع قطار التنمية على السكة الصحيحة و نوجهه الوجهة الصحيحة التي ينتفع بها و ينجو الجميع حالا و مستقبلا :
ــ ما هي القيمة الحقيقية للماء ؟ و هل من الحكمة معادلة القيمة الحقيقة للماء بالدولارات التي يأتي بها السياح ؟
ــ هل الطبيعة الجميلة الخلابة محصورة فقط في ذلك النمط المعلب الذي يصنعه و يصدره الآخرون ؟
ــ ما الفائدة الحقيقية المرجوة من معاندتنا لظروفنا المناخية حتى نكلف أرضنا ما لا تطيق و نعرض أبناءنا و أحفادنا للخطر (**) ؟
كارثة نمط الاستهلاك الغربي أكبر مشكلة :
لقد أصبح من المؤكد حاليا أن »معدل الاستهلاك في الدول الغنية يزداد بدرجة تنذر بخطر حقيقي في المستقبل ، إذ يصل هذا الاستهلاك أحيانا إلى حد التبديد السفيه . و هنا يكون من الطبيعي أن يثور الضمير الإنساني على هذا التبديد غير المسئول ، الذي لا يحدث من أجل إشباع ضرورات حيوية ، بل يحدث لإرضاء رغبات أنانية و نزوات استهلاكية مجنونة لا يلبي معظمها حاجات أصيلة لدى الإنسان« (2) . و لعل ما جاء في تقرير اللجنة العالمية للبيئة و التنمية (مستقبلنا المشترك) بادرة من بوادر ثورة الضمير الإنساني ضد هذا السفه حيث يؤكد أنه »لا يمكن استدامة مستويات الحياة التي تذهب إلى أبعد من الحد الأدنى الضروري من دون أن تأخذ أنماط الاستهلاك بعين الاعتبار الاستدامة بعيدة المدى . و مع ذلك فإن كثيرا منا يعيش في مستوى أعلى من قدرات البيئة العالمية (...) و الحاجات التي نستشعرها تتحدد اجتماعيا و ثقافيا ، لذلك تتطلب التنمية المستدامة نشر القيم التي تشجع أنماطا استهلاكية ضمن حدود الإمكانيات البيئية التي يتطلع الجميع إلى تحقيقها بشكل معقول« (3) .
فعلا ، إننا نحتاج ، و بشكل مستعجل إلى نشر القيم الأخلاقية النبيلة التي تشجع الأنماط الاستهلاكية التي تقف عند حدود مواردنا . و إنه ليس من الحكمة بتاتا أن نظل عبيدًا لصنم براق يدعي لنفسه التقدم و الرقي ، و لغيره التخلف و الانحطاط . »ذلك لأن المجتمعات المتقدمة أصبحت ، في عصرنا الحاضر ، تنظر إلى التوسع في الاستهلاك كما لو كان غاية في ذاته ، و تعده قيمة أساسية من قيم الحياة ، ينبغي أن تؤخذ على ما هي عليه دون مناقشة . بل إن الإنسان الحديث ينظر إلى أي نظام اجتماعي على أنه جهاز ضخم وظيفته الأولى و الأساسية هي توفير مطالبه الاستهلاكية ، و أصبح يحكم عليه ـ إيجابا أو سلبا ـ في ضوء قدرته أو عدم قدرته على تحقيق هذه المطالب« (4) . و هذا الاعتقاد بأن القيم العليا للحياة تنحصر في توافر وسائل الترف و مظاهر الرخاء اعتقاد باطل ؛ و الحقيقة أن هناك قيما أرقى من هذه بكثير ترقى بإنسانية الإنسان و تسمو بها من حضيض حضارة الأشياء إلى قمة حضارة الإنسان ؛ » إن المشكلة في أساسها ، و قد أعلن الغرب حربه على الدين و الغيب و الروح و الإيمان و اليوم الآخر ، أنه رمى بثقله باتجاه الكم على حساب النوع ، مع الظاهر على حساب الباطن ، مع الدنيا على حساب الآخرة ، مع المصلحة و المنفعة على حساب القيم ، مع مطالب التكاثر بالأشياء على حساب خفقة الوجدان و رعشة الروح ... أين سعادة الإنسان في هذا الطوفان الشيئي ؟« (5) . »إن هذا العالم يجرب أن (...) يُسَرّي عن غمّه بالثروة و الراحة حينا بعد حين . لكن الحق أنه لا يمنح سعادة ثابتة و لا يستجيب لميول الأبدية عند الإنسان . و لذلك ، ما من شيء يتخذه دواء و علاجا ، إلا و يزيد في قتام أفق الأمل الإنساني و يلحق بؤسا ببؤسه الروحي « (6) .
إن الانسياق الكبير مع التوجه الاستهلاكي المعاصر ألحق ضررا فادحا بمواردنا الطبيعية ، و جعل مستقبل البشرية مهددا بخطر الندرة أو الانقراض . لهذا كان من اللازم التوقف عند هذا الانحراف ، و تصحيح المسار ، و العودة بالقيم الإنسانية إلى نبلها و رقيها الحقيقيين في دعوتها إلى التحكم في رغبات النفس و كبح جماحها حتى لا تتردى بالإنسان في مهاوي الهلاك . كما أن ظروف العالم لا تسمح للجميع أن يعيش في مستوى الترف الباذخ شبيه بالذي تحتكره ثلة من الغربيين لنفسها ، فذلك الترف و البذخ لم يكن إلا نتيجة لاختلال التوازن و غياب العدل ؛ حيث إن الوسائل التي حقق بها الإنسان الرخاء و الترف في بعض جهات العالم ، هي نفسها التي خلقت الفقر و الحرمان في جهات أخرى ، فتكون معادلة العالم الحديث بقيمه الاستهلاكية الأنانية هي :» الفقر و الحرمان هناك (***) لأجل تحقيق الترف و البذخ هنا« .
... عفوا ، لم يكن هذا الاستطراد في قضية الاستهلاك توهانا بالمقالة عن موضوعها ، بل هي الآن في صلب الموضوع ؛ حيث إن الاستنزاف الضخم الذي تعانيه مواردنا الطبيعية ، و على رأسها مورد الماء ، داء عضال أصله في قيم المجتمع الاستهلاكي التي تفشت في عالم اليوم ، فكان ما نشهده من التلويث و التبذير . و بذلك يكون العلاج في استئصال أصل الداء . و نقتبس هنا كلمات أ.د. عماد الدين خليل (7) ، فنقول أن الحل في تجاوز المخاطر التي تتهدد مستقبلنا و مستقبل أجيال المستقبل من بعدنا هو : أن نفلت من جاذبية الآخر القاهرة ، و أن نغير من نمط استهلاكنا بأن نصنع لأنفسنا النسق الحضاري الذي يستمد مقوماته من الأسس الإسلامية التي هي لب حضارتنا و أساس وجودها و بقائها ؛ و نعتقد اعتقادا جازما أنه الحق الذي لا حق بعده ، و ما دونه فهو باطل .
و نعود هنا إلى أحد مصادر ذلك النسق : القرآن ، إلى سورة البقرة عند سؤال الملائكة : »قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها« ، قال الله تعالى : » إني أعلم ما لا تعلمون « ( البقرة ، 30 ) ، قال ابن كثير في تفسيره : أي »فإني سأجعل فيهم الأنبياء ، و أرسل فيهم الرسل ، و يوجد منهم الصديقون ، و الشهداء ، و الصالحون ، و العباد ، و الزهاد ، و الأولياء و الأبرار ، و المقربون ، و العلماء العاملون ، و الخاشعون و المحبون له تبارك و تعالى المتبعون رسله صلوات الله و سلامه عليهم « ؛ فمن اتبع هؤلاء ضمن لنفسه النجاة ، و من التجأ إلى غيرهم كان مصيره الهلاك .
حل مشكلة الماء :
من بين الحلول المقترحة لتلبية الطلب المتزايد على الماء هناك : تحلية مياه البحر ، و تدوير المياه العادمة و جر الكتل الجليدية. غير أنها كلها مقترحات تتطلب تكاليف مادية باهظة جدا ليست في متناول جميع الدول ، كما أن مستوى جودة بعضها يقل بكثير عن جودة المياه العذبة الطبيعية ..؛ كما أنها مقترحات لا تقف عند أصل المشكل الذي أشرنا إليه سابقا في حديثنا عن نمط الاستهلاك ، بل تفاقم من الخطر الذي يتهدد الموارد الطبيعية المحدودة .
بهذا يكون إصلاح ما فسد و تقويم عوج سلوك الإنسان تجاه الموارد الطبيعية هو الحل الأنسب و الأنجع لمعالجة مشكلة الماء . و يتناغم هذا الحل كثيرا مع فكرة التنمية المستدامة التي تقر بحق جميع الناس في التمتع بما سخره الله عز و جل بكوكب الأرض لجميع الناس إلى أن تقوم الساعة في حدود الإمكانيات التي تستطيعها الطبيعة في إطار من الرشد و الحكمة .
ــ أولا : بالحد من التلوث و عواقبه ؛ فتلويث مصادر المياه السطحية و الباطنية من خلال تصريف المياه العادمة ، و تكديس النفايات ، و استعمال المواد الكيماوية الخطيرة في الزراعة و غيرها كل ذلك وجب التدخل المستعجل للحد منه و إيجاد بدائل عنه . غير أن هذا الحل يبقى حلا طارئا مؤقتا لا يمكن ضمان نجاعته و استمراريته ما لم يصحح نمط الاستهلاك .
ــ ثانيا و هو الأهم : تصحيح نمط الاستهلاك بخفض الاستهلاك عموما ، و خاصة منه استهلاك الماء ، بحيث نبتعد عن الاستهلاك التافه الترفي الشيطاني ، و نركز على الاستهلاك الأساسي الرشيد الذي يلبي الحاجيات الأساسية الضرورية للحياة . و قد جاءت في القرآن الكريم عدة إشارات تدعو الناس إلى الاقتصاد و الاعتدال في الاستهلاك : قال الله تعالى : »و كلوا و اشربوا ، و لا تسرفوا ، إنه لا يحب المسرفين « ( الأعراف ، آية 31 ) . و قال كذلك : »و لا تبذر تبذيرا ، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، و كان الشيطان لربه كفورا « ( الإسراء ، الآيتان 26 و 27 ) .
كما وردت في السنة إشارات تحث الناس على الاقتصاد في استهلاك الماء حتى في أمور العبادة ، فما بالك في غيرها ؛ فكان من سنن الوضوء مثلا الاقتصاد في الماء : فعن عبيد الله بن أبي يزيد أن رجلا قال لابن عباس رضي الله عنهما : كم يكفيني من الوضوء ؟ قال : مد ، قال : كم يكفيني للغسل ؟ قال : صاع ؛ فقال الرجل : لا يكفيني ؛ فقال : لا أم لك قد كفى من هو خير منك رسول الله صلى الله عليه و سلم .
و روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم مر بسعد و هو يتوضأ فقال : »ما هذا السرف يا سعد ؟ « فقال : و هل في الماء من سرف ؟ قال : »نعم ، و إن كنت على نهر جار « .
و قال كذلك لما سأله أعرابي عن الوضوء فأراه ثلاثا : »هذا الوضوء ، من زاد على هذا فقد أساء و تعدى و ظلم « .
إن قضية الماء ليست هزلا و لا قضية جانبية ، بل تستحق أن تكون من كبريات القضايا التي يجب أن يتجند لها الجميع ، و إن العالم يشهد حاليا ، و إن بشكل متأخر ، توجها جادا لمعالجة هذه القضية أملا في تجاوز الأخطاء و إنقاذ الحياة البشرية . و إننا لنرجو من الجميع أن يعتدلوا و لا يعتدوا ، و أن يقتصدوا و لا يبذروا ؛ و أن يكونوا ممن يحبهم الله عز و جل و يتبرؤوا من مؤاخاة الشياطين ، و قد كان الشيطان لربه كفورا و للإنسان عدوا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ــ اقتبسنا من هذه الواقعة نصا أدبيا بعنوان "تنمية عجيبة"يمكن الاطلاع عليه بزيارة نفس هذه المدونة على الرابط التالي :
 https://tajdadi.blogspot.com/2010/07/blog-post_4471.html
(1) ــ المجال المغربي : واقع الحال ، وزارة إعداد التراب الوطني ، الرباط ، سنة 2000 ، ص : 37 .
(**) ــ من المفيد جدا أن نشير هنا إلى أن نصيب الفرد الواحد من الماء بالمغرب مثلا انخفض من 1200 م³ سنة 1990 إلى 833 م³ ؛ و يتوقع أن ينخفض إلى 400 م³ سنة 2020 حسب وزارة إعداد التراب الوطني ( المرجع السابق ) .
(2) ــ التفكير العلمي ، د. فؤاد زكريا ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 03 ، الكويت ، مارس 1978 ، ص 181 .
(3) ــ مستقبلنا المشترك ، إعداد اللجنة العالمية للبيئة و التنمية ، ترجمة محمد كامل عارف ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 142 ، الكويت ، سنة 1989 ، ص : 70 .
(4) ــ التفكير العلمي ( مرجع سابق ) ، ص 182 و 183 .
(5) ــ عصر التكاثر ، أ.د.عماد الدين خليل ، جريدة المحجة ، العدد 278 ، 01 يونيو 2007 ، ص 20 .
(6) ــ و نحن نبني حضارتنا ، محمد فتح الله كولن ، جريدة المحجة ، العدد 267 ، 16 دجنبر 2006 ، ص 13 .
(7) ــ المعادلة الصعبة ، أ.د.عماد الدين خليل ، جريدة المحجة ، العدد 285 ، 01 نونبر 2007 ، ص 16 .
(***) ــ نورد كلمة ( هناك ) بالمعنى الزماني و المكاني ؛ أي : في مكان آخر غير هذا المكان ، و زمان آخر غير هذا الزمان .

هناك 17 تعليقًا:

  1. مشكوووووووووور

    ردحذف
  2. مشكككوووووور الله ينعمك برضاه

    ردحذف
  3. مقال راااائع .. خاصة الامثلة التي طرحت بالنسبة لمشاكل الماء وكذلك تناول كارثةاستهلاك النمط الغربي .. بارك الله فيك

    ردحذف
  4. merci hadchi rai3 KANCHKRAK ALOUSTAD

    ردحذف
  5. ماشاءالله موضوع يفوق الروعة
    بارك الله فيك

    ردحذف
  6. شكرااااااااااااااااااا

    ردحذف
  7. merci hadchi rai3 KANCHKRAK ALOUSTAD

    ردحذف
  8. merci pour les informations

    ردحذف
  9. mrc bzzf pour les informations

    ردحذف
  10. MERCI 3LA HAD LES INFORMATIONS

    ردحذف
  11. Merci bzzzaf

    ردحذف
  12. merciiiiiiiiiiiiiiii

    ردحذف
  13. thank you so match for this very important informaition i liked you're writing it was so intersting :)

    ردحذف
  14. merci bauecoup

    ردحذف